محمد كرد علي

112

خطط الشام

مع عقاراتها الموقوفة عليها بدون التذرع بهذه الحيل ، في زمن آثر كثير من أبنائه الدنيا على الدين لفرط جشعهم . فانفجر بركان الجرأة على الشريعة لتضييق أئمة الحرج ، وفجر المتأخرون لغلو المتقدمين بالتهافت على الوقف . ولم يجد اختراع مخرج المرصد نفعا لصيانة العقارات الموقوفة . إذ لم نسمع ولم نشهد أن المتكلم على وقف أدى إلى صاحب المرصد ما كان له دينا على رقبة الوقف واسترجعها إلى جهته ، بل نمي إلينا عكس ذلك وهو أن أصحاب المراصد كانوا يرشون المتكلمين على الأوقاف ليغضوا الطرف عن انتقال العقارات من الوقف المرصد إلى الملك الحر ، ويرشون أيضا مفوضي تمليك العقارات ليسجلوا العقار الموقوف ملكا صرفا ، بل إن بعض المتولين أنفسهم كانوا يخونون الوقف باتخاذهم مخرج المرصد حيلة ، إذ يتذرعون به بدون اضطرار إليه لتحويل العقار من الوقف المحض إلى المرصد ، ويرشون قضاة السوء ليثبتوا اضطرار الوقف إلى الدين والاستدانة . . أوقاف الذرية : قوام الوقف ركنان وهما الحبس والتأبيد ، فمتى حبس الواقف العين عن التمليك وأبد الحبس بالتقييد إلى جهة لا تنقطع ، أصبح الوقف مبرما وأضحت العين محبوسة شرعا . ولا يمكن تحريرها من قيد الوقف ، ورجوعها ملكا صرفا كما كانت البتة ، لأن الشرع صانها للجهة الموقوف عليها من تصرف الانتقال والتمليك . ولخوف الواقف من سفه ذريته ، وتبديدها الثروة من بعده ، أو لخوفه من المصادرة أو لغير ذلك من الأسباب المختلفة باختلاف النيات ، لجأ إلى الوقف وقيده بقيود وشروط تلائم رغائبه ، وأبده بالتقييد إلى جهة لا تنقطع بعد انقراض الذرية لئلا يفقد الوقف أحد ركنيه . وما التجاء الواقف إلى الوقف إلا التجاء إلى كنف الشريعة التي شرعت الوقف وصانته بأحكامها . وغير خفي أن حامي حمى الشريعة أمام المسلمين المكلف برعاية أحكامها ، والنائب عنه من هذه الوجهة وزارة الأوقاف في العاصمة ودوائرها الفرعية في الإيالات وملحقاتها . والشريعة لا ترد اللاجئ إلى حماها بالطرق الشرعية . ولهذا لم تفرق قواعدها وأحكامها بين الأوقاف الخيرية